منوعات

للمرة الأولى ..ثقب أسود يقذف تدفقات “قوية” توثقها الصور

يمتلئ الفضاء بالظواهر الكونية الغريبة التي تبعث على الدهشة، ومما يميز هذه الظواهر أنها طبيعية وتحدث دون تدخل من الإنسان.

وفي الآونة الأخيرة، تم رصد تدفقات قوية وعالية السرعة من الجسيمات تعصف خارج ثقب أسود، ظهرت في صور فلكية حديثة.

وبالنسبة لدراسة الثقوب السوداء، فإنها المرة الأولى التي يرصد فيها العلماء هذا السلوك، إضافة إلى كونها لـ”ظل” حول ثقب أسود.

عموماً، تشتهر الثقوب السوداء بقدرتها القوية على التهام المادة، وتستلهم اسمها من كثافتها [التي تتضمن أنها تتمتع بقوة جاذبية مهولة] التي بسببها يعجز حتى الضوء عن الهرب من شدة جذبها له.

وفي المقابل، تستطيع الثقوب السود أن تطلق مواد، فترسل تدفقات قوية من المادة في مقدورها أن تمتد إلى ما وراء المجرات الكونية التي تشكل مواطنها.

[في غالبية الأحوال، يوجد ثقب أسود في قلب كل مجرة. وأحياناً، قد يوجد أكثر من ثقب أسود في مجرة تكون غالباً فائقة الضخامة، بالتالي، تعتبر المجرات مواطن الثقوب السود].

واستطراداً، تقدم الصورة الجديدة شرحاً لكيفية حدوث ذلك تحديداً [حدوث تدفقات من ثقب أسود]، فتُظهر أن القاعدة التي يأتي منها ذلك العصف الهائل تتصل بالثقب الأسود الذي تمخضت عنه.

ويأمل العلماء في أن نجاحهم أخيراً في رؤية هذه العملية سيسمح لهم بالتوصل إلى فهم كيفية حدوثها، بالتالي، تبديد الغموض الكثيف الذي ما برح محيطاً بها.

في الصور، يظهر الثقب الأسود عينه الذي كان أول جرم من ذلك النوع على الإطلاق تلتقط له صورة، وذلك في عام 2019.

ويتعلق الأمر بالثقب الأسود الموجود في قلب مجرة “أم 87” M87، على بعد 55 مليون سنة ضوئية من الأرض.

بيد أن الصور الجديدة جاءت كمحصلة من إعادة ضبط بؤرة النظر إلى ذلك الجرم، إذ وجه العلماء هذه المرّة تركيزهم صوب نواح أخرى في مشهدية ذلك الثقب الأسود، وأسفر الأمر عن صورة مختلفة لذلك الجرم وسلوكه.

التقطت هذه الصور بعد عام من تجميع ملاحظات أولية عن هذا الجرم، بواسطة “تلسكوب أفق الحدث” Event Horizon Telescope، أو “إي أتش تي” EHT الذي استخدمه العلماء لالتقاط الصورة الأولى [في عام 2019].

في الصورة الجديدة، تبدو الحلقة حول الثقب الأسود أكبر بـ50 في المئة مما بدت عليه في الصورة الأولى [لعام 2018]، لأن الدقة المتزايدة للتلسكوب تسمح للعلماء برؤية المزيد من البلازما الذرية الساخنة المحيطة بالثقب الأسود.

[حينما تنفجر قنبلة ذرية مثلاً، يخرج عصف هائل من الطاقة ترافقه سيول من المكوّنات المتفتفتة للذرّة، أي أنها المكونات الأولية للجسيمات التي تتكون من الذرة. ويسمي العلماء تلك السيول بالبلازما الذرية.

وتوضيحاً، إن ذلك الثقب الأسود يمتص مقادير هائلة من الغاز والغبار من جواره الكوني، بفعل جاذبيته الفائقة القوة التي تضغط بشدة على جسيمات وذرات في الغاز والغبار فتتفجر وتشتعل مكوّنة تلك التدفقات القوية التي أظهرتها الصورة أثناء اندفاعها من الثقب الأسود وانتشارها في الفضاء].

وعن هذا الشأن، تحدث جاي يونغ كيم، من “جامعة كيونغ بوك الوطنية” في كوريا الجنوبية و”معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي” في ألمانيا، فأشار إلى أن “هذه اللقطة الجديدة تستكمل الصورة إذ تظهر في الوقت نفسه المنطقة المحيطة بالثقب الأسود والتدفقات المندفعة منه”.

والتقطت هذه الصور باستخدام “مصفوفة قياس التداخل المديد القاعدة الملليمتري” [اختصاراً GMVA]، ومصفوفة “ألما” ALMA (الاسم مكوّن من الأحرف الأولى لعبارة “مصفوفة أتاكاما الكبيرة الملليمترية/ دون الملليمترية”)، و”تلسكوب غرينلاند الراديوي” [اختصاراً GLT].

وفي السياق نفسه، ذكر “المرصد الأوروبي الجنوبي” أن الصورة الحالية ثمرة استخدام ضوء راديوي [بمعنى استخدام موجات الراديو في التصوير] يتمتع بموجات ترددية أطول، مما جعل سيول تدفقاته مرئية.

وكذلك ذكر توماس كريشباوم، من “معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي” إنه “باستخدام موجات طويلة إلى هذا الحد، يصبح من المستطاع أن نرى كيف تخرج التدفقات من حلقة الانبعاثات حول الثقب الأسود الفائق الكتلة القابع في مركز المجرة”.

وأوضح الباحثون أنهم سيواصلون بحوثهم للتحقق من الطريقة التي تطلق بها الثقوب السوداء الفائقة الكتلة تدفقات قوية، علماً بأن ذلك يشكل أحد المعالم الأكثر غموضاً في المجرة.

وفي سياق متصل، أوضح إدواردو روس، من “معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي” أنه وزملاءه يخططون “لرصد المنطقة المحيطة بالثقب الأسود في مركز المجرة  “أم 87″  [وهو الثقب الأسود الذي رصدته الصور الجديدة] مع استخدام موجات راديو تمتلك أطوالاً متنوعة [لكنها ستُطلق باتجاه الثقب الأسود في الوقت نفسه] بغية النهوض بمزيد من الدراسات حول التدفقات المنبعثة من الثقب الأسود”.

وأضاف روس، “ستتيح تلك العمليات من الرصد المتزامنة لفريق العلماء بفك طلاسم العمليات المعقدة التي تأخذ مجراها على مقربة من الثقب الأسود الفائق الكتلة”.

وخلص روس إلى أن “السنوات المقبلة ستكون مشوقة، ذلك أننا سننجح في معرفة المزيد حول الحوادث التي يشهدها محيط أحد أكثر المناطق غموضاً في الكون”.

وقد تم عرض تفاصيل عمليات الرصد في مقال نشرته مجلة “نيتشر” Nature.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى